Wednesday, 18 December 2013

رسالة إلى أسقف نجران


من ديوان: يوميات العشق والهوان وطيور البحر
شعر إبراهيم شكرالله 
فبراير 81



من ميمون بن لوقا الرهاوي
المولود في قنسرين
إلى سيده ومولاه
كلي البركات مثلث الرحمات أسقف نجران
العبد الفقير يقبل قدميك
ويتمسح بجلال ردائك الكهنوتي
ويقول: يا صخرة الكنيسة
وحامل تاج المسيح،
حينما استهداني منك
مصعب بن الزبير
ورآني متمنطقا فوق عباءتي السوداء
دواتي وقلمي
بصق على الارض وقال:
من أي السائمة أنت؟
قلت: بل كاتب يا مولاي
استشرف المعرفة
واخوض لجاج الافلاك
قال: فماذا من العلم قرأت؟
قلت: انطيموس الترالي
وايتيوس الآمدي
وديونيس الاريوفاجي.
تعلمت العلل الأربع للوجود
والمركزية الارضية للتدويرات
وزيجات الشاه الفلكية
والرُقى وعلم الاوهام

فقال: لو اني ذبحتك على هذه الرابية
إلى أي موضع دمك يسيل؟
كان العلم: القرآن والحديث
والسباحة ورمي الصوالج
معرفة الأنواء
والاهتداء بالنجوم
بهذه فتحنا الارض وخضنا لجاج البحار
والآن هذا الخبال
فوا إسلاماه!
ابعتوا به والجارية الرومية البهراء
إلى الخليفة في بغداد
فلعله ينشغل بهما عنا.

تركنا بابل يا مولاي وقد فشا بها الجرب
ودخلنا أسوار بغداد وسط عجيج قوافل من مصر
وبخارى وجند يسابور
وسفارة من سُدة فنج هوانج تي
عاهل الصين المترامية عند حافة الارض
محملة بكنوز الدنيا من النفائس والنساء.

واُخذت إلى قصر الخليفة
أفنية تنفتح عن أفنية ذات عقود
تشمخ فيها البيارق
سوداء كالليل ناصعة كتزاويق الليل
أسمع قرع الطبول
وتدافع الاقدام القلقة للجواري
أفكار لا ملامح لها تهب من الصحراء
هواء تحركه أجنحة الطير.

حين أمر الخليفة بقتل صفيه ورفيق لهوه جعفر
قال لو ان ثوبي هذا عرف من صدري المكنون فيه لمزقته

وجلس إمام الدنيا على حافة النافورة المرمرية
يعبث بيده بالسمك الذهبي السابح في الماء
حاملا ثقل السنين
حاملا وزر العالم
وقال: لا أريد أن يطأ عاشق
هذه المماشي الموشاة بالفسيفساء
حتى يهز النسيم أزهار الياسمين
وقال أيضا: أحمل كل يوم بازيا للصيد
على ضفاف دجلة،
واُدخل كل ليلة جارية إلى مخدعي
أجتر صبوات الشباب.
أنا مثل المياه الصاعدة
من هذه النافورة
الهابطة فيها
الضائعة بين خضرة الارض
وزرقة السماء
تسبح فيها
أوراق اللوتس
وقشور السمك.
هل يهم أن تكون أرواحنا
قرب سطح البدن بينما الشباب
يترقرق في الأنسجة؟
شمعتي تنير الدنيا
ومشكاتي ورثتها عن جدي السفاح
موسم الياسمين يفعم الفؤاد

وقفت أمامه خافض الرأس
مسحوق القلب، أقول:
أغفر لي يا أمير الدنيا، يا إمام الزمان
كلماتي الجامحة ومظهري الذليل،
انت ترى للحب مواسم وللمواسم نساء
وإن الربيع طالما يحمل ما أتى به
فاللقلب أهواء.
أما أنا وقد جأر فؤادي
لنحيب الرومية الصامت
وهي مساقة اليك في الهودج،
انتفضت روحي وحلقت
لتحقق معها اكتمال
الاشكال والعلامات،
كل التجريدات التي استغرقتني
في الرقاع الصفر.
وقد رأيت أن ما تحدث عنه
فلاسفة اليونان والهند
من أوهام الهزيع الاخير من الليل
عن تداوير وتكعيبات
تصل الارض بأفنان السماء
ليست سوى حسرات جسدها
تضور العذوبة المرة لشبابها
ليست سوى همهمة روحها
مرتدة إلى عمورية تشهد
صرعى الحرب وصرخات المحتضرين
تندب وسط السبايا أمها
النؤة التي اقتلعتها من روابي صبوتها.
ارتوت شقوق روحي من عذابها
الذي صار عذابي وبلاء العالمين.
والان وقد كشفت
الخبيء من سري
فأبحت لك دمي
أعلن أن جمال المرأة
بيرق تضربه الرياح
وتقف الحكمة تحته واجمة.

العبد الفقير يقول لسيده ومولاه
وهو يبلل أقدامه بدموعه
ويسأله سر الغفران
انه وقد قارب نهاية حجته
يرفع يديه بالابتهال
ان يجمع إلى شهادة المعرفة
شهادة الجمال.